البحث العلمي

ما معنى الدراسات السريرية Clinical Studies ؟

شهد العام الحالي من اللحظة الأولى تغييرات عدة على مستوى العالم، فكان أبرزها ظهور فيروس كورونا المستجد(COVID-19) في مدينة ووهان الصينة ومنها إلى العالم بأسره، وفى غضون ثلاثة أشهر أعلنته منظمة الصحة العالمية  كوباء عالمي، فتصدر الصحف الأولى من المواقع الإخبارية، ناهيك عن تسارع الجهات البحثية والمؤسسات العلمية لفهم طبيعة الفيروس وسبل القضاء عليه؛ فأصبحنا نسمع عن التجارب المعملية  والتجارب السريرية أو الإكلينيكية والدراسات الأولية؛ فكان هذا المقال لشرح معنى التجارب السريرية وعرض أبرز نقاطها.

فتعد الدراسات السريرية (Clinical Studies) مرحلة تطبيق فكرة بحث علمي على متطوعين من البشر- بعد اثبات فاعليتها في المعامل وعلى الحيوانات-  للحصول على معلومات طبية، وقد يشمل الموضوع البحثي اختبار دواء جديد أو إجراء طبي أو اختبار جهاز طبي.(1)

وتكمن أهمية الدراسات السريرية أو الإكلينيكية  في:

  • تقييم تدخل واحد أو أكثر (كالأدوية والأجهزة الطبية و طرق الجراحة والعلاج الإشعاعي) لعلاج مرض أو متلازمة أو حالة.
  • إيجاد طرق لمنع التطور الأولي أو تكرار مرض مايمكن أن تشمل الأدوية أو اللقاحات أو تغيير نمط الحياة، من بين أساليب أخرى.
  • اختبار تدخل واحد أو أكثر (Intervention) بهدف تحديد أو تشخيص مرض أو حالة معينة.
  • فحص طرق تحديد الحالة المرضية أو عوامل الخطر لهذه الحالة.
  • استكشاف وقياس طرق تحسين الراحة (The comfort improvement) ونوعية الحياة (Quality of life) من خلال الرعاية الصحية لمرضى الأمراض المزمنة.

وتنقسم التجارب السريرية إلى نوعين رئيسين: دراسات تدُّخُلية (Interventional Studies) ودراسات المُراقبة (Observational Studies).

أنواع الدراسات السريرية

1.    دراسات المراقبة (Observational Studies):

تهدف إلى اكتشاف ما يحدث للمتطوعين في الدراسة في حال استخدام دواء معين أو إجراء عملية جراحية أو استخدام جهاز طبي وتأثيرها على مرض ما أو على نمط حياتهم عموماً، حيث تهتم بجانب الملاحظة في مقارنة نتائج البحث، وقد تشمل تدخُّلات كالتجارب السريرية التدخُلية، وتعد دراسات المراقبة مصدراً لوضع فرضيات التجارب السريرية.

مثال: اكتشاف أن نقص فيتامين د يزيد من فرص الإصابة بفيروس كورونا المستجد(COVID-19) .

أنواع دراسات المراقبة:

·       دراسة الفوج أو الجماعة (Cohort Study):

يلاحظ الباحثون مجموعة كبيرة من الناس لفترة من الزمن، كالحصول على بيانات تثبت أو تنفى تطور مرض معين أو ظهور عرض جانبي لدواء ما.

تعد دراسات الفوج  أقوى أنواع دراسات المراقبة وأكثرها دقة وتشمل نوعين:

يُسجل الباحثون المتطوعين في الدراسة -بعد اطلاعهم على بروتوكول البحث وهدفه- ويتم متابعتهم لفترة قد تطول إلى سنوات، وعند انتهاء المدة المحددة يحلل الباحثون البيانات التي رُصدت، وتُنشر النتائج في ورقة علمية.

يتم فيها جمع بيانات موجودة بالفعل وتحليلها للحصول على نتائج، مثل استخدام سجلات المستشفيات لتحديد نسب الإصابة بعدوى معينة في منطقة ما.

·       دراسة مقارنة الحالات والشواهد (Case Control Study):

تشبه دراسة الفوج (Cohort Study)، ولكن تختلف فقط في تقسيم المتطوعين في الدراسة إلى مجموعتين: أحدهما تتناول الدواء الجديد (case)، والأخرى تأخذ دواء آخر قد يكون دواء قديم أو وهمي(Placebo) وتسمى ب (control)، ويمكن تطبيقها في الأمراض لمعرفة الأسباب أو عوامل الإصابة.

وتتميز تلك الدراسة بكونها أسرع وأرخص من دراسة الفوج (Cohort Study)، ولكنها أقل دقة مع بعض النتائج وخصوصاً في استنتاج عوامل الإصابة بأحد الأمراض؛ لأنها تعتمد على تذكر المرضى بأحداث قديمة قد يحتمل بعضها الخطأ، أوقد لا يوجد علاقة بالأصل بين أجزاء الدراسة، مثل ارتفاع نسب الإصابة بسرطان الرئة في الطبقات الفقيرة، ويمكن أن يكون بسبب التدخين أو أي عامل آخر، و لا يوجد بالضرورة علاقة سببية بين الحالة المادية وفرص الإصابة بالسرطان، على الرغم من إثبات النتائج تلك العلاقة.

·       دراسات مستعرضة أو استقصاء مقطعي (Cross Sectional Study):

تُجمّع البيانات على نطاق واسع من الأشخاص في فترة زمنية قصيرة، بهدف تحديد نسب انتشار مرض أو وباء معين في تلك الفترة، فيمكن استنتاج أسباب ظهور تلك الأمراض والتنبه للقضاء عليها.

مثال: دراسة أجريت عام 2008 على مرضى 358 مستشفى في 32 دولة، تؤكد زيادة معدل خطر الإصابة بالجلطات الوريدية لمرضى الحالات الحرجة التي تحتاج إلى إقامة لفترة في المستشفى؛ وعلى إثْرِها أجمعت الكلية الأمريكية لأطباء الصدر(ACCP) على ضرورة تقييم مرضى الحالات الحرجة من حيث احتمال إصابتهم بالجلطات الوريدية، ووصف مضادات التجلط كوقاية لهم.

·       دراسات بيئية (Ecological Studies) :

في هذا النوع من الدراسات، يقارن الباحثون معدلات انتشار مرض معين في مناطق مختلفة أو مجتمعات مختلفة.

مثال: دراسة بيئية تثبت زيادة معدلات الانتحار بسبب التشتت الاجتماعي أكثر من الفقر.

·       دراسة حالة (Case Study):

يتم فيها شرح تفصيلي لحالة أو أكثر استخدم الباحث معهم طريقة علاجية جديدة، أو لاحظ عامل خطر أدى إلى ظهور حالة مرضية.

مثال: دراسة حالة تثبت وصول فيروس كورونا المستجد (COVID-19) إلى أنسجة عضلات القلب.

2.    دراسات تدَّخليه (Interventional Studies) أو التجارب السريرية (clinical trial).

تعد من أهم مراحل الدراسات السريرية -إن لم تكن أقواها- حيث يختبر الباحثون تدخلاً معينا مثل:

  • اختبار فاعلية دواء جديد أو مزيجاً من الأدوية مقابل دواء قديم.
  • اختبار جهاز طبي جديد ومقارنته بأساليب قديمة ومعتمدة.
  • ويمكن استخدامها في اختبار طرق الرعاية المُقدمة ونمط معيشي معين في تحسين جودة حياة مرضى الأمراض المزمنة.

فبالرغم من دقتها وقوتها مقارنة بدراسات المراقبة، إلا أنه لا يمكن تطبيقها على كافة فرضيات البحث العلمي، فمثلا لا يمكن أثبات علاقة التدخين بسرطان الرئة بواسطة التجارب السريرية، ولكن يمكن أثباتها بواسطة دراسة الفوج (Cohort Study) وتجميع بيانات من أكثر من مكان.

مراحل التجارب السريرية

تُقسم التجارب السريرية إلي مراحل تختلف في أعداد المتطوعين ومن ثم أهمية نتائجها.

فلو افترضنا مراحل التجارب السريرية لدواء ضد فيروس كورونا المستجد (COVID-19).

المرحلة عدد المتطوعين في المرحلة الهدف من المرحلة العشوائية
المرحلة الصفرية

 

10-20 تحديد أقل جرعة تظهر فاعلية الدواء وهل هو ضار للإنسان أم لا؟ لا
المرحلة الأولى

تجارب السلامة.

20-80 تهدف إلي:

  •  تحديد الجرعة الفعالة (Therapeutic dose).
  • فهم حركية الدواء بالجسم.
  • تحديد الأعراض الجانية الشائعة جداً

 

 

لا
المرحلة الثانية

التجارب الممتدة.

100-300 توفر بيانات أكثر دقة عن الجرعات وآلية عمل الدواء والأعراض الجانبية الأقل شيوعاً. يمكن تطبيقها.
المرحلة الثالثة

تجارب الفاعلية.

1000-3000 بالإضافة إلى الأهداف السابقة، فإنها تقارن فعالية الدواء الجديد بأدوية معتمدة أو قديمة.

وبعد نجاح تلك المرحلة يُقدم الدواء للاعتماد من قبل منظمة الدواء والغذاء، وبدء تصنيعه على نطاق واسع وطرحه في السوق.

يشترط تطبيقها للحصول على الاعتماد.
المرحلة الرابعة

ما بعد الطرح في السوق.

أكثر من 1000 تساعد في توفير بيانات أكثر دقة عن الدواء، وتحديد الأعراض الجانبية النادرة. لا يشترط.

وتعتمد  قوة الدراسة على عدة عوامل من حيث:

  • العشوائية: تُقسم المجموعات بشكل عشوائي دون التحيُّز لفئة أو عمر أو عرق معين.
  • العمى :

منفردة: لا يعلم المرضى أي دواء يتناولونه، بينما يعلم الباحثون أي دواء تستخدمه كل مجموعة.

مزدوجة: أي لا يعلم الأطباء المتابعون للمرضى ولا المرضى أي دواء يتناولونه فقط المشرف العام على الدراسة؛ لتقليل من نسب التحيز في التجربة.

  • مرحلة الدراسة:

كلما كانت التجربة السريرية في مرحلة متقدمة، كانت النتائج أكثر دقة ويُمكن استخدامها كمرجع لأبحاث مستقبلية.

  • منشأ الدراسة:

في بعض الأحيان يحتال بعض الباحثين بنشر أبحاث نتائجها مزورة؛ بهدف الترويج لدواء معين أو منتج، وللأسف لا يمكن إدراكها إلا بعد فترة، وتسحب الورقة العلمية فوراً بمجرد إثبات تزوير نتائجها، وهذا يحدث مع الجهات البحثية المشبوهة أو غير المعتمدة كما في الهند أو إيران وبعض الدول العربية؛ لذا يجب على الباحث أن يتحرى الدقة في مصادر أبحاثه والحصول عليها من المنظمات العالمية الموثوق فيها مثل:

منظمة التجارب السريرية، منظمة الدواء والغذاء، المعهد القومي للصحة الوطنية، المجلات العلمية المعتمدة(BMJ)، محركات البحث ك (PubMed – Nature).

وتعد التجارب السريرية في المراحل المتقدمة (Phase 3,4) مزدوجة العمى وعشوائية التوزيع من أقوى الدراسات السريرية، فيمكن نشرها للعامة؛ لما تقدمه من نتائج دقيقة بعيدة عن التحيُّز. 

التجارب السريرية
التجارب السريرية

تنظيم إدارة التجارب السريرية

يقود كل دراسة سريرية مشرف رئيسي غالبًا ما يكون طبيبًا لديه خبرة بمجال الأبحاث، يتبع جامعة أو مركز بحثى معتمد أو مستشفى.

ويتم عمل بروتوكول محكم يطابق قواعد أخلاقيات البحث العلمي (Institutional Review Boards)، وأهم بنودها: أنه يجب شرح كافة مخاطر الدراسة للمتطوعين والتوقيع على إقرار بالموافقة بذلك، ومع ذلك يحق للمتطوع ترك الدراسة في أي وقت.

وعادةً ما تموَّل الدراسات السريرية من قبل شركات الأدوية والمراكز الطبية الأكاديمية والحكومات والمجموعات التطوعية وغيرها من المنظمات الممولة للقطاع الطبي.

وبعد انتهاء الدراسة السريرية يُجمَّع الباحثون النتائج ويدرسونها جيداً، ثم كتابة ورقة علمية تشرح باستفاضة الدراسة مبرهنين صحة نتائجهم، وتقدم لمجلة علمية للنشر.

المصادر

     https://clinicaltrials.gov/ct2/about-studies/learn#WhatIs

     https://www.cancerresearchuk.org/about-cancer/find-a-clinical-trial/what-clinical-trials-are/types-of-clinical-trials

     https://www.nia.nih.gov/health/what-are-clinical-trials-and-studies#trialends

     https://clinicaltrials.gov/ct2/about-studies/learn#WhoConducts

 

 

اظهر المزيد

Raghda Lotfy

Medical Writer.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
اشترك في منتدى البحث العلمي

انضم الان لأفضل المتخصصين في مجال البحث العلمي في الوطن العربي خطوات بسيطة وتصبح عضواً